Picture of the author
Picture of the author
Picture of the author

الكاتب: د. إيمان مطالقة

نشر في: ديسمبر 18, 2025

العربية.. طريقنا إلى جودة الفهم والتحليل

العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، لكنها أداة معرفية تُشكل على نحو عميق  قدرة الطلبة على فهم ما يلقى إلى أذهانهم من مواد الدرس والبحث، والرياضيات واحدة منها، ولا سيما المسائل الرياضية اللفظية التي تتطلب قراءة دقيقة وتحليلا منطقيًا؛ فعندما يواجه الطالب مسألة مكتوبة بالعربية، فإنه إنما يبدأ أولًا بتفكيك نص المسألة وتحديد العلاقات فيها، ثم هو ينتقل بعد ذلك إلى تحويلها إلى رموز ومعادلات. ولا يرتاب أحد في أن الخلل في فهم الطلبة مفردات المسألة والإعسار عن إدراك تراكيبها يؤدي إلى أخطاء في النموذج الرياضي، حتى وإن كانت مهاراتهم الحسابية جيدة. هذا ما تؤكده الدراسات الحديثة التي تربط بين الفهم القرائي لدى الطالب وبين أدائه على حل المشكلات الرياضية.

 

في  هذا السياق تتناول الأبحاث التربوية علاقة الفهم القرائي بدقة الحل الرباضي، فتشير إلى الاضطراد فيهما؛ إذ كلما زاد الفهم زادت دقة الحل والعكس صحيح، ويؤكد  البحث التربوي على أن تدريب الطلبة على سمات اللغة في المسائل، مثل تحديد المعلومات غير الضرورية واستخدام تسمية دقيقة للمسألة، يرفع الأداء مقارنة بالتعليم التقليدي، كما أن خصائص النص العربي نفسه، من طول الجملة إلى تعقيد التركيب، تؤثر في قابلية المسألة للفهم، وهو ما يفسر الفجوة بين القرّاء الأقوياء والضعفاء في الرياضيات. حتى لغة الاختبار لها أثر واضح؛ فقد أظهرت دراسات عديدة أن تقديم المسائل بالعربية يحسّن النتائج مقارنة بالإنجليزية، خاصة في المسائل متعددة الخطوات، لأن الطالب يعالج المفهوم بلغته الأم دون عبء إضافي.

 

تزداد أهمية هذا الترابط في ظل الازدواجية اللغوية بين الفصحى والمحكيّة، حيث يواجه الطالب تحديًا إضافيًا في الانتقال من لغة البيت إلى لغة المدرسة، فتؤكد تقارير السياسات التعليمية أن تقليص هذه المسافة عبر تعريض الطلبة على نحو مبكر للفصحى وتبسيط الموارد الصفية يعزز اكتساب القراءة، ويزيد في سِناد فهم المسألة الرياضية. ومن منظور علم الأعصاب، تُظهر دراسات التصوير الدماغي أن الشبكات المسؤولة عن اللغة والرياضيات تتفاعل أثناء حل المسائل اللفظية، مما يعني أن جودة الفهم اللغوي بالعربية تهُيئ الدماغ لمعالجة الرموز والعلاقات بصورة أكثر سلاسة ويسرًا.

 

في تضاعيف دروسنا وتطبيقاتنا الصفية يَسهُل علينا تحويل هذه الأدلة إلى ممارسات عملية؛ إذ تبدأ الخطوة الأولى بضبط المفردات الدقيقة التي تربك الطلبة، مثل الفرق بين "أضعاف" و"زيادة"، أو معنى "على الأقل" الذي يترجم إلى ≥ وليس (تقريبًا). وحتى أقرّب الصورة، أسوق لكم المثال الآتي: إذا كان إنتاج بيت بلاستيكي في يوم معتدل ثلاثة أضعاف إنتاجه في يوم حار، وكان الإنتاج في اليوم الحار 120 كغم، فإن الحل الصحيح هو 3×120=360كغم، وليس 120 + 3. كذلك، عبارة (على الأقل سبع وحدات) يجب أن تُفهم على أنها قيد رياضي n≥7، لا مجرد تقدير تقريبي، وهذه الدقة اللفظية تمنع أخطاء شائعة في تحويل النص إلى رموز.

 

إضافة إلى ذلك، يمكن إعادة صياغة المسائل الطويلة إلى فقرات قصيرة بعناوين واضحة مثل المعطيات والمطلوب والعلاقة، وهو ما أثبتته الدراسات في تقليل فجوة الأداء بين القرّاء الأقل مهارة، كما أن استخدام أدوات الربط العربية مثل "إذا… فإن…" و"إذن" و"وعليه" و "إذا وفقط إذا"  في كتابة الحل يساعد الطالب على تنظيم البرهان وتقليل الحمل على الذاكرة العاملة، لأن العلاقات تصبح معلنة لا ضمنية ولكل علاقة معناها الرياضي المحدد.

 

خلاصة القول إن العربية ليست غلافًا للرياضيات، بل هي شريك في بناء التفكير الرياضي، والاستثمار في تعليم العربية الدقيقة، ومعايرة لغة المسائل، وتبسيط النصوص، ليس رفاهية لغوية، بل مدخل ضروري لرفع كفاءة الفهم الرياضي وتقليص الفجوات بين الطلبة، فحين تصبح العربية لغة البرهان والسؤال والحوار، نمنح أبناءنا مفاتيحَ لفهمٍ أعمق، ومجالا للإبداع أوسع، وبذا نحقق الهدف الأسمى للتربية الحديثة: عقل قادر على التحليل والتواصل بوضوح ودقة.