Picture of the author
Picture of the author
Picture of the author

الكاتب: د. محمد تيسير الزعبي

نشر في: ديسمبر 15, 2025

تعليم اللغة العربية وإكراهات الذكاء الاصطناعي

لا يكاد يمر يوم دون أن يستخدم أحدنا أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى تطوّر الأمر وصارت هذه الأدوات تختزل تعلّم المهارات واكتساب المعارف، وأصبحت حائلًا أمام بناء مهارات الطلبة اللغوية، ذلك أننا نعرف جيدًا أن أدوات الذكاء الاصطناعي سهّلت علينا ما نريد كتابته أو صياغته، وحتى البحث عن الأفكار صار أسهل، لكنه في الوقت نفسه أضعف مهارات الطلبة في التفكير اللغوي، والبحث عن المفردات المناسبة للتعبير عن الأفكار، وقلل قدرتهم على  صياغة الأفكار في جمل مترابطة متسلسلة ومعبّرة، وصار الطالب يعتمد على الأداة الاصطناعية في التعبير عن المعاني التي يريد قولها أو الكتابة عنها.  

 

حلّت الآلة مكان الإنسان، وقامت بالعمل الذي كان من الواجب أن يؤديه العقل البشري، باعتباره شرطًا في اكتشاف قدرته ومهارته، لا شرطًا في قدرة الآلة، هذا التحدي الذي فرضه التطور التكنولوجي يسوق خلفه تحديات كثيرة يكاد يكون تعليم العربية أخطرها ، ولا أقول ذلك اعتباطًا دون حجة ولا دليل بل هو بارز لكل ذي عينين.

لقد اعتدنا في غرفنا الصفية أن يحاول الطالب صياغة جمل تعبّر عن أفكاره وأحلامه وتصوراته، ويبقى يحاول ويبحث ويستعين بالمعجم حتى يجد تعبيرات مناسبة، لكنه الآن أراح نفسه، وراح يستعين بالآلة الاصطناعية وفقد فرصة التعلم والمحاولة، وبدأتْ -لذلك- تقل حصيلة مفرداته. كان المعلمون يعزون تدني مستوى الطلبة في الكتابة إلى قلة مخزونهم اللغوي ونزرة مفرداتهم، وهذا المخزون على قلته ونزره  يتضاءل مع الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي. فحين يَطلبُ المتعلم من الذكاء الاصطناعي كتابة موضوع تعبيري فسيجد موضوعا جاهزًا في عدة ثوان يقدمه للمعلم حتى دون قراءته، وعندئذ لن تسنح له الفرصة لإضافة مفردة واحدة جديدة إلى معجم ذكرياته، ولن يستطيع توظيف كلمة واحدة في السياق الذي يتصوره؛ فأنى لمن فقد المعنى والدلالة أن يأتي بالمفردة في سلك نظمها الصحيح.

توجد كثير من الأسباب التي تدفعنا للكتابة في الحياة وملابساتها وجمال طبيعتها، ولكن الاعتماد المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي سيُضعف مهارات الطلبة الكتابية، ويقضي على أساليبهم الخاصة، ويقوض فضولهم ونهم عقولهم وشهوة التعلم لديهم. 

المسألة التي تزيد الأمر خطورة عندي هي تقبّل المعلمين لذلك، وعدم التمييز بين أسلوب الآلة وأسلوب الطالب في الكتابة، وهذا  المقال لا يدعو إلى محاربة هذه الأدوات ومنعها، فهي جزء مهم في حياتنا، ويتعرض لها الطلبة خارج أسوار المدرسة، ولكنها دعوة لترشيد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنينه في تعليم الكتابة في حصص اللغة العربية.

وإليك أمثلة تفتح لك آفاقَ حل وبناء لمهارة الكتابة؛ اجعل طلبتك يكتبون في حصة خاصة بالتعبير وبخط أيديهم أيضًا، وامنحهم حرية اختيار عنوان من بين عنوانات متعددة، ونوّع في أساليبك؛ اجعلها مرة كتابة فردية، ومرة أشركهم في ثنائيات (شركاء الكتابة) ليساعد كل قرين قرينه في تطوير كتابته وتحسينها، اعرض عليهم تارة فقرة مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، واطلب منهم معالجتها بإعادة صياغتها، والإضافة عليها او تعديلها دون محددات. وتارة ادفع لهم فقرة ينتقدون لغتها وأسلوبها، وتارة قدم لهم نصين: نصا كتب بالذكاء الاصطناعي، وآخر كتب بذهن بشري، واطلب إليهم أن يمايزوا النصين بمؤشرات لغوية صرفة.

 

إن أدوات الذكاء الاصطناعي أعظم خطرا من التطبيقات التكنولوجية العادية مثل جوجل؛ لأن الذكاء الاصطناعي يعمل بنموذج اللغة الضخم (LLM) الذي يعني مقاربة أكبر للأسلوب البشري وذكائه، ولذلك يجب أن نكون على حذر وانتباه للمحافظة على تفردنا وتشبعنا بإنسانيتنا.